لم يعد الشاب المغربي صامتاً. لم يعد يكتفي بمتابعة السياسة من بعيد، مُتذمراً في جلسات المقاهي أو منشورات الفيسبوك. جيل جديد يُسمى "جيل ظ" أو "جيل 212" ولد في عصر الإنترنت، ترعرع على منصات التواصل الاجتماعي، وبات يطرق باب السياسة المغربية بقوة وصوت عالٍ لا يُمكن تجاهله. ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية 2026، يصبح هذا الجيل ورقة ضغط حقيقية ستُعيد رسم خارطة الفائزين والخاسرين في المشهد السياسي المغربي.
من هو جيل ظ المغربي؟
يُقصد بجيل ظ المغاربة المولودون بين عامَي 1997 و2012، الذين يُشكّلون اليوم ما يزيد على 30 بالمائة من إجمالي الكتلة الناخبة المغربية. هذا الجيل يختلف جذرياً عن أسلافه: فهو لا يُقيّد ولاءه السياسي بالانتماء الحزبي الموروث عن الآباء والأجداد، ولا يهتم كثيراً بالشعارات الأيديولوجية التقليدية. ما يُحركه هو الواقع اليومي المحسوس: سعر الكراء، وصعوبة إيجاد عمل، وجودة التعليم والصحة.
في صيف 2025، فاجأ هؤلاء الشباب الجميع حين خرجوا في احتجاجات منظمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، رافعين مطالب واضحة وجريئة: إصلاح قطاعَي الصحة والتعليم، ومحاربة الفساد، وصون كرامة المواطن. احتجاجات لم تكن عفوية، بل كانت منظمة بدقة عبر تيك توك وإنستغرام وواتساب، بأسلوب جيل يُجيد استخدام التكنولوجيا سلاحاً للتغيير.
ماذا تغيّر بسبب جيل ظ؟
التأثير كان فورياً وملموساً. فقد كشفت وزيرة الاقتصاد والمالية أن الحكومة رفعت ميزانية قطاعَي الصحة والتعليم إلى حوالي 140 مليار درهم في قانون مالية 2026، بزيادة تجاوزت ملياري دولار مقارنة بالعام السابق. كما تعهّدت الحكومة بإنشاء 19 ألفاً و344 منصب شغل في قطاع التعليم وحده، فضلاً عن تحديث 90 مستشفى وإعادة تأهيل 1600 مركز صحي خلال ثلاث سنوات. خطوات لم تكن لتتحقق لولا الضغط الشعبي الذي مارسه هذا الجيل.
المشهد الانتخابي 2026 — من الرابح ومن الخاسر؟
تتجه أغلب التحليلات السياسية إلى أن انتخابات 2026 ستشهد إعادة توزيع كبيرة للخارطة الحزبية المغربية. فحزب "العدالة والتنمية" الذي خرج منهكاً من انتخابات 2021 يُراهن على العودة بقوة، مستعيداً خطابه الإصلاحي ومحاولاً استقطاب شباب يبحث عن بديل حقيقي. في المقابل، يسعى حزب الأصالة والمعاصرة والأحزاب المشكّلة للتحالف الحكومي إلى تحويل المنجزات الاجتماعية لقانون المالية 2026 إلى رصيد انتخابي.
لكن المفاجأة قد تأتي من مكان آخر تماماً: فالشباب المغربي بدأ يُعبّر عن ميل متزايد نحو الشخصيات المستقلة والوجوه الجديدة البعيدة عن الآلات الحزبية التقليدية. وهو ما دفع عدة أحزاب إلى إطلاق مبادرات خاصة لاستقطاب الشباب وإدراجه في قوائمها الانتخابية، في محاولة للتكيف مع زمن تغيّرت فيه قواعد اللعبة.
قانون الانتخابات الجديد — ضمانات أم مجرد حبر على ورق؟
لإضفاء المصداقية على العملية الانتخابية المقبلة، أقرّ المجلس الوزاري المغربي مشروع قانون انتخابي جديد يتضمن إجراأت صارمة لضمان النزاهة. أبرز ما جاء فيه: منع المدانين قضائياً من الترشح، وتشديد العقوبات على الفساد الانتخابي، واعتماد ميثاق شرف يُلزم المرشحين بالتخلي عن الممارسات التقليدية لشراء الأصوات.
كما تطالب المعارضة بإنشاء هيئة وطنية مستقلة للإشراف على الانتخابات، بمعزل عن سلطة الوزارات، ضماناً لحياد العملية الانتخابية وشفافيتها. مطلب يلقى صدىً واسعاً لدى الشباب الذي لا يثق بأن الأحزاب القائمة قادرة على إصلاح نفسها بنفسها.
هل سيصوّت جيل ظ فعلاً؟
هذا هو السؤال الأكثر إثارة للجدل. فرغم الحماس الكبير الذي يُبديه الشباب المغربي على وسائل التواصل الاجتماعي، يبقى معدل المشاركة الانتخابية في صفوف الشباب متدنياً تاريخياً. كثيرون يرون أن الصوت الانتخابي لا يُغير شيئاً، وأن الأحزاب كلها وجهان لعملة واحدة.
لكن 2026 قد تكون مختلفة. فأول مرة في تاريخ المغرب يُنظّم فيها شباب احتجاجات فعلية وحصل على نتائج ملموسة — وهو ما قد يُقنعهم بأن صوتهم له ثقل حقيقي. المعادلة بسيطة: إذا صوّت جيل ظ بكثافة، ستتغير خارطة البرلمان المغربي كلياً. وإذا قاطع، ستستمر الوجوه ذاتها والسياسات ذاتها.
خلاصة — مغرب الشباب أم مغرب الأحزاب التقليدية؟
انتخابات 2026 ليست مجرد استحقاق دستوري دوري. إنها لحظة فارقة في تاريخ المغرب السياسي الحديث. الشباب يطرق الباب، والأحزاب تتدافع لفتحه. والسؤال الذي سيُجيب عنه يوم الاقتراع واحد: هل سيختار المغربي الشاب الغضب الصامت، أم الفعل الانتخابي المؤثر؟
تعليقات
إرسال تعليق