هذا الأسبوع، وبينما يعيش المغرب أياماً عادية في الظاهر، تجري خلف الكواليس مفاوضات ستُحدد مدى قيمة راتبك الشهر القادم. جولة الحوار الاجتماعي لأبريل 2026 بدأت بالفعل، والنقابات جاءت هذه المرة بملفات ثقيلة وأعصاب مشدودة. والحكومة من جهتها تعرف تماماً أن الانتخابات التشريعية في 23 سبتمبر 2026 قريبة، وأن ما تُقدمه اليوم سيُحدد رصيدها الانتخابي غداً.
ما الذي يحدث بالضبط الآن؟
منذ بداية أبريل، دخلت الحكومة المغربية والنقابات المركزية الكبرى في جولة مفاوضات اجتماعية مكثفة. الملفات على الطاولة واضحة وثقيلة في آنٍ واحد: رفع الحد الأدنى للأجور صMىG، والزيادة في أجور موظفي القطاع العام، وإصلاح منظومة التقاعد، وتحسين ظروف العمل.
ما يجعل هذه الجولة مختلفة عن سابقاتها هو أن النقابات جاءت هذه المرة وهي تعرف أن لديها ورقة ضغط استثنائية لم تملكها من قبل: موعد الانتخابات. فكل رفض حكومي لمطلب نقابي مشروع يتحول تلقائياً إلى سلاح انتخابي في يد المعارضة.
أخنوش يرحل — وهذا يُغير كل شيء
الزلزال السياسي الحقيقي في هذا المشهد هو إعلان رئيس الحكومة عزيز أخنوش في فبراير الماضي أنه لن يترشح لولاية ثالثة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار. قرار لم يكن أحد يتوقعه، وفتح الباب على مصراعيه أمام سيناريوهات كثيرة لشكل الحكومة المقبلة.
هذا الإعلان ألقى بظلاله الثقيلة على طاولة الحوار الاجتماعي. فالحكومة اليوم في وضع حرج: إن أعطت النقابات كل ما تطلبه، بدت كأنها تشتري الأصوات في اللحظة الأخيرة. وإن رفضت، أشعلت جبهة اجتماعية ساخنة في أسوأ توقيت ممكن.
ماذا تطلب النقابات تحديداً؟
الهيئة الوطنية للتقنيين وعدد كبير من النقابات المركزية دخلت جولة أبريل وهي تُعلن تشبثها بمطالبها كاملة دون تنازل. المطالب الكبرى تتمحور حول ثلاثة محاور:
أولاً، رفع الحد الأدنى للأجور بنسبة تتراوح بين 10 و15 بالمائة، في ظل تضخم أكل القدرة الشرائية للمواطن المغربي خلال السنوات الأخيرة. وبينما يُعلن المسؤولون أن الوضع الاقتصادي يتحسن، يشعر المواطن العادي بأن السلة الغذائية تثقل كاهله أكثر من أي وقت مضى.
ثانياً، حسم ملف التقاعد وتصحيح الاختلالات البنيوية التي تهدد استدامة الصناديق التقاعدية، ولا سيما صندوق المغرب للتقاعد الذي يراه خبراء الاقتصاد أمام تحديات هيكلية حقيقية في الأفق المتوسط.
ثالثاً، تحسين ظروف العمل وضمان الحماية الاجتماعية لفئات واسعة من العمال في القطاع غير المهيكل الذي يضم ما يزيد على ثلث اليد العاملة المغربية.
الحكومة بين المطرقة والسندان
الحكومة تعيش حرجاً حقيقياً. فمن جهة، التزمت منذ عام 2023 برفع كلفة الحوار الاجتماعي إلى ما يتجاوز 45 مليار درهم، وهو رقم وصفه المسؤولون بأنه "غير مسبوق في تاريخ الحوارات الاجتماعية المغربية". ومن جهة أخرى، الضغوط المالية حقيقية، والمالية العامة تحتاج إلى توازن دقيق.
المفارقة الكبيرة هي أن الحكومة ذاتها التي تفاوض اليوم ستكون في الغالب حكومة تصريف أعمال بعد أشهر قليلة. وهذا ما يجعل بعض المحللين يتساءلون: هل يملك أخنوش وفريقه الحكومي فعلاً الشرعية الكاملة لإبرام اتفاقيات اجتماعية كبرى بهذا التوقيت؟
23 سبتمبر — الموعد الذي يُحرك كل الخيوط
لفهم ما يجري اليوم بشكل صحيح، يكفي أن تتذكر تاريخاً واحداً: 23 سبتمبر 2026. هذا هو موعد الانتخابات التشريعية التي حددتها الحكومة رسمياً في مارس الماضي. وتبدأ الحملة الانتخابية في العاشر من سبتمبر، أي بعد أقل من خمسة أشهر من الآن.
في هذا السياق، كل قرار يُتخذ في الحوار الاجتماعي اليوم له بُعد انتخابي مباشر. النقابات تعرف ذلك، والحكومة تعرف ذلك، والأحزاب تعرف ذلك. والمواطن المغربي هو الوحيد الذي يتمنى أن يصله شيء حقيقي من كل هذه المفاوضات، لا وعوداً تتبخر بعد أن تُعلَن النتائج الانتخابية.
ماذا يتوقع المغاربة؟
على وسائل التواصل الاجتماعي، الصورة واضحة: كثير من المغاربة يتابعون جولة الحوار الاجتماعي بمزيج من الترقب والتشكيك. من يتذكر جولات الحوار السابقة يعرف أن الفجوة بين ما يُعلن وما يُطبق قد تكون واسعة جداً.
لكن هناك تفاؤل حذر لدى قطاع من الموظفين والعمال، مبني على حجة واحدة بسيطة: هذه المرة، الحكومة تحتاج إلى أصواتهم أكثر مما يحتاجون إلى وعودها. وحين تنقلب المعادلة، تتغير النتائج.
الأيام القادمة ستكشف من كان محقاً.
تعليقات
إرسال تعليق