جئت إلى الدار البيضاء وأنا أحمل حقيبة واحدة وأحلاماً أكبر مني. كنت أعتقد أن المدينة ستفتح ذراعيها وتقول: "أهلاً بك، ها هو مستقبلك." لكن الدار البيضاء لا تفعل هذا. هي تنظر إليك بعين باردة وتقول: "أثبت أنك تستحق."
الأشهر الأولى كانت قاسية بطريقة لا تعرفها إلا من عاشها. لم يكن القسوة في الغلاء — رغم أن الغلاء حقيقي. ولا في الوحدة — رغم أنك وسط ملايين الناس. القسوة كانت في شيء آخر: المدينة لا تنتظرك. هي تمضي بسرعتها، وإن لم تجري معها تدهسك دون أن تلتفت.
الشارع أستاذ قاسٍ لكنه صادق
في المدرسة تعلمت الرياضيات والتاريخ والعلوم. أشياء مهمة. لكن الشارع البيضاوي علّمني أشياء لا يوجد لها كتاب. علّمني أن الابتسامة أداة وليست مجرد شعور. علّمني أن الوقت في المدينة له قيمة مختلفة تماماً عن الوقت في المدينة الصغيرة التي جئت منها. علّمني أن الفرصة لا تطرق الباب مرتين، وأحياناً لا تطرقه أصلاً، بل تمر من أمامك وأنت من يجب أن يمد يده ويمسكها.
أذكر يوماً كنت جالساً في الطابق الأرضي أنتظر مقابلة عمل. رجل بجانبي كان ينتظر نفس المقابلة. بدأنا نتحدث. في النهاية أخذ هو الوظيفة ولم أحصل عليها. لكنني بقيت على تواصل معه. وبعد سنة كان هو من فتح لي باباً أفضل بكثير من تلك الوظيفة. الدار البيضاء علّمتني ذلك: العلاقات أهم من الفرص.
الوحدة في قلب الزحام
الشيء الغريب في الدار البيضاء هو أنك تستطيع أن تكون وحيداً تماماً وأنت محاط بثلاثة ملايين شخص. في القرية حين تكون وحيداً، الجميع يلاحظ ويسأل. هنا لا أحد يسأل. الجار لا يعرفك. صاحب الدكان يراك كل يوم ولا يعرف اسمك.
في البداية هذا يؤلم. لكن بعد وقت، تكتشف أن هذه الوحدة بالذات هي ما تجعلك تعرف نفسك. حين لا يوجد أحد يُعرّفك، أنت من يُقرر من تكون. لا عائلة تقول "هذا ابن فلان." لا حي يعرف تاريخك. أنت صفحة بيضاء في مدينة لا تهتم بصفحات الآخرين.
المدينة لا ترحم لكنها عادلة بطريقتها
هذا ما لم يخبرني به أحد قبل أن أأتي: الدار البيضاء لا تُفرق كثيراً بين من جاء من قرية ومن ولد فيها. ما يهمها هو ماذا تفعل اليوم. هل أنت مجتهد؟ هل أنت منظم؟ هل تحترم مواعيدك؟ هل عندك شيء تُقدمه؟
رأيت أناساً جاؤوا بلا شيء وبنوا كل شيء. ورأيت آخرين جاؤوا بشهادات وعلاقات ورجعوا خائبين. المدينة لا تسألك من أنت. تسألك ماذا تستطيع.
ما الذي أحمله الآن
مضت سنوات على أول يوم دخلت فيه الدار البيضاء بتلك الحقيبة الواحدة. تغير كثير. لكن الشيء الذي لن أنساه هو تلك الأشهر الأولى حين كانت المدينة تقول لي بكل وضوح: "لا أحد ينتظرك هنا. إما أن تبني نفسك أو ترجع."
اخترت أن أبني. وما زلت أبني.
إن كنت تفكر في القدوم إلى الدار البيضاء، أو أي مدينة كبيرة، لا تسمع من يخيفك ولا من يبالغ في التحبيذ. فقط تعال وأنت تعرف هذا: المدينة لن تُسهّل عليك الأمور. لكنها ستجعل منك شخصاً لم تكن لتصبحه لو بقيت حيث كنت.
وهذا وحده يستحق كل شيء.
تعليقات
إرسال تعليق