أسعار العقار في المغرب 2026 — برنامج دعم السكن يرفع الأسعار بدل أن يخفضها!



كان الهدف نبيلاً والنية صادقة: مساعدة المغاربة على امتلاك سكن لائق بأسعار معقولة. لكن ما حدث على أرض الواقع كان العكس تماماً. برنامج دعم السكن الذي أطلقته الحكومة المغربية والذي أثار موجة من الارتياح في البداية، بات اليوم في قفص الاتهام — يتهمه كثير من الخبراء والمواطنين بأنه السبب الرئيسي في الارتفاع الجنوني لأسعار العقار في المغرب خلال 2025 و2026. نقاش حقيقي وجدل واسع يشغل المغاربة من الشمال إلى الجنوب.


ما هو برنامج دعم السكن؟


في إطار الإصلاحات الاجتماعية الكبرى التي أعلن عنها الملك محمد السادس، أطلقت الحكومة المغربية برنامج دعم السكن الذي يمنح منحة مالية مباشرة للمواطنين الراغبين في اقتناء سكنهم الأول. تتراوح هذه المنحة بين 100.000 و140.000 درهم حسب سعر السكن ونوعيته، وتُدفع مباشرة من الدولة للمستفيد عند إتمام عملية الشراء.


على الورق، يبدو البرنامج مثالياً: الدولة تساعد المواطنين على الحصول على سكن، والمطورون العقاريون ينشطون في البناء، وعجلة الاقتصاد تدور. لكن ما خفي في التفاصيل كان أكبر.


المشكلة — المطورون رفعوا الأسعار بمقدار الدعم


هنا تبدأ المعضلة الحقيقية. يكشف الخبراء الاقتصاديون أن شريحة واسعة من المطورين العقاريين استغلوا دعم الدولة لا لإتاحة السكن بأسعار أقل، بل لرفع أسعار بيعهم بمقدار الدعم ذاته أو أكثر. بمعنى آخر: إذا كانت الدولة ستمنح المشتري 100.000 درهم، رفع المطور سعر الشقة بـ 100.000 درهم، فبقي المواطن في نفس الموقف بل في بعض الحالات أسوأ!


هذه الظاهرة التي يُطلق عليها الاقتصاديون "أثر الاسترداد" أو Cروودينع Oوت ىففيچت، ليست غريبة في علم الاقتصاد. فأي دعم مالي يُضخ في سوق محدودة العرض سيؤدي بالضرورة إلى رفع الأسعار، لا إلى خفضها. والسوق العقارية المغربية تعاني أصلاً من شُح في العرض مقارنة بالطلب المتصاعد، لا سيما في المدن الكبرى كالدار البيضاء والرباط ومراكش وطنجة.


الأرقام لا تكذب


تُظهر بيانات المندوبية السامية للتخطيط ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار السكن بالمغرب خلال الفترة 2024ء2026. ففي الدار البيضاء، ارتفعت أسعار الشقق المتوسطة بنسبة تتراوح بين 15 و22 بالمائة خلال سنتين، في حين أن الأجور لم ترتفع بأكثر من 8 بالمائة في نفس الفترة. هذا يعني أن الهوة بين القدرة الشرائية وأسعار العقار اتسعت بدلاً من أن تضيق.


أما في مراكش، فالوضع أكثر حدة: دفعت الجاذبية السياحية وضغط المستثمرين الأجانب أسعار العقار نحو مستويات غير مسبوقة، تجعل الحصول على شقة متوسطة في أحياء مثل مارشان أو سيدي يوسف بن علي شبه مستحيل لأبناء الطبقة المتوسطة من المغاربة.


صوت الشارع — المغاربة يتحدثون


على منصات التواصل الاجتماعي، يتصاعد الغضب الشعبي يوماً بعد يوم. يكتب مواطن من طنجة: "دعم السكن ماشي للمغاربة، هو دعم المروتور باش يزيد في الثمن!" فيرد آخر من الرباط: "أنا خدمت 10 سنين وما قدرت نشري وليو، جاء الدعم وزادت الأثمنة أكثر — شكراً للبرنامج!"


في المقابل، يدافع آخرون عن البرنامج بحجج منطقية: "بلا الدعم كانت الأسعار غادي تكون أعلى بكثير، على الأقل المنحة كاتساعد غير شي شي." ويُضيف أحد المختصين في القطاع: "المشكل مشكل العرض، خاص نبنيو أكثر، مشي نوقفو الدعم."


موقف البرلمان والحكومة


أمام هذا الجدل المتصاعد، أعلن مجلس النواب المغربي عزمه فتح تحقيق استطلاعي لتقييم برنامج دعم السكن وقياس تأثيره الفعلي على أسعار العقار. وهو ما رحب به المعارضة التي طالبت منذ مدة بمراجعة شاملة للبرنامج وتحديد شروط أكثر صرامة للاستفادة منه، مع إلزام المطورين العقاريين بسقف للأسعار يمنعهم من استغلال دعم الدولة.


في المقابل، تتمسك الحكومة بأن البرنامج أتاح لأكثر من 60.000 أسرة مغربية اقتناء سكنها الأول، وهو رقم لا يمكن الاستهانة به. وتعترف في الوقت ذاته بأن الإشكاليات الهيكلية في السوق العقارية تتطلب إصلاحاً أعمق يشمل تفعيل الضريبة على الأراضي غير المبنية، وتسريع إجراأت تراخيص البناء، وتوسيع العرض في مناطق جديدة.


ماذا يريد المغاربة فعلاً؟


وراء كل هذا الجدل، يبقى المطلب الشعبي واضحاً وبسيطاً: سكن لائق بثمن معقول في بلد يشهد نمواً اقتصادياً حقيقياً. المغاربة لا يريدون الاختيار بين إيجار مرتفع يلتهم نصف الراتب أو قرض بنكي يمتد 25 سنة. يريدون سياسة سكن حقيقية، شاملة ومتكاملة، تضع مصلحة المواطن فوق مصلحة المضاربين العقاريين.


هل سيُنجح برنامج دعم السكن في تحقيق أهدافه؟ أم سيُصبح مثالاً آخر على الهوة بين النية الحسنة والتطبيق الفعلي؟ النقاش مفتوح، والمغاربة ينتظرون الإجابة على أرض الواقع.

تعليقات