في يناير 2026، أعلنت المندوبية السامية للتخطيط أن الاقتصاد المغربي سينمو بنسبة 5 بالمائة هذه السنة. أرقام رحّبت بها وسائل الإعلام الرسمية، ونشرتها وكالة رويترز، وأشادت بها المؤسسات الدولية.
لكن في نفس الوقت الذي تُعلن فيه هذه الأرقام المبهجة، يفتح مغربي عادي ثلاجته ليجد أنه لا يستطيع شراء ما اعتاد عليه. ويتساءل في صمت: إذا كان الاقتصاد ينمو، أين أنا من هذا النمو؟
هذا السؤال هو أكثر سؤال يتكرر اليوم بين المغاربة. وهو سؤال مشروع تماماً يستحق إجابة صادقة.
ماذا تعني نسبة 5 بالمائة فعلاً؟
حين يقول المسؤولون إن الاقتصاد ينمو بنسبة 5 بالمائة، فهم يتحدثون عن الناتج الداخلي الإجمالي — أي مجموع كل ما ينتجه المغرب من سلع وخدمات في سنة كاملة. رقم كبير ومهم، لكنه متوسط يجمع بين الأثرياء والفقراء، بين الدار البيضاء وبين القرى النائية.
المشكلة في المتوسطات أنها تُخفي الحقيقة أكثر مما تُظهرها. لو أن شخصاً واحداً يربح مليون درهم وتسعة أشخاص لا يربحون شيئاً، فالمتوسط يقول إن كل شخص يربح 100 ألف درهم. لكن التسعة يعرفون جيداً أن هذا الرقم لا يعبر عن واقعهم.
من أين يأتي النمو وأين يذهب؟
المندوبية نفسها أوضحت أن جزأً كبيراً من النمو المتوقع هذه السنة مدفوع بانتعاش القطاع الفلاحي بعد تساقطات مطرية جيدة، والأوراش الكبرى المرتبطة بالبنية التحتية.
وهذا بالضبط هو جوهر المشكلة. النمو الفلاحي مرهون بالأمطار — أي بالطبيعة لا بسياسة اقتصادية مدروسة. وحين تأتي السنة الجافة، ينهار معه جزء كبير من نسبة النمو. أما الأوراش الكبرى، فهي حقيقية ومهمة، لكن فوائدها تتركز في قطاعات بعينها وفئات محددة، في حين يظل المواطن البسيط بعيداً عن ثمارها المباشرة.
المفارقة الكبيرة — التضخم تراجع لكن الأسعار لم تتراجع
الحكومة تقول إن التضخم انخفض إلى 1.3 بالمائة في 2026 بعد أن كان أعلى بكثير في السنوات السابقة. وهذا صحيح من الناحية التقنية. لكن ما لا يقوله هذا الرقم هو أن الأسعار التي ارتفعت بشكل حاد خلال موجة التضخم السابقة لم تعد إلى مستوياتها القديمة.
التضخم المنخفض يعني أن الأسعار ترتفع بوتيرة أبطأ. لكنه لا يعني أن الأسعار انخفضت. الكيلو من الدجاج الذي كان بعشرين درهماً لم يعد إلى عشرين درهماً. هو الآن بخمسة وثلاثين، ويرتفع بنسبة أبطأ. والفرق بين الاثنين ضخم جداً في جيب مغربي يعيش براتب محدود.
ما الذي يحتاجه الاقتصاد ليصل إليك فعلاً؟
الاقتصاديون يتحدثون عن شيء اسمه "جودة النمو" — أي ما إذا كان النمو يخلق وظائف حقيقية، ويرفع الأجور، ويُقلل التفاوت بين الفئات الاجتماعية. وبالنظر إلى أرقام البطالة عند الشباب المغربي والضغط المستمر على القدرة الشرائية، يبدو جلياً أن النمو الحالي لا يزال يفتقر إلى هذه الجودة.
المغرب ينمو، ولكن النمو يتركز. يصل إلى المدن الكبرى ولا يصل إلى الأرياف بنفس القدر. يصل إلى القطاعات الحديثة ولا يصل إلى الاقتصاد غير المهيكل الذي يعيش فيه ملايين المغاربة. يصل إلى الطبقة العليا ويمر مرور الكرام على الطبقة الوسطى التي تتآكل ببطء.
ما الذي يجب أن تعرفه كمواطن؟
أرقام النمو ليست كذباً. لكنها أيضاً ليست القصة كاملة. المغرب يبني مطارات وموانئ وطرقاً سريعة، وهذا حقيقي ومهم ويضع الأساس للمستقبل. لكن المواطن البسيط لا يُقيّم الاقتصاد بالأرقام — يُقيّمه بسؤال واحد بسيط: هل حياتي اليوم أفضل من حياتي قبل سنة؟
حين تكون الإجابة لدى أغلبية المغاربة "لا أعرف" أو "ليس بشكل واضح"، فهذا يعني أن هناك فجوة حقيقية بين النمو الذي تراه الإحصائيات والنمو الذي يشعر به الإنسان في يومه.
وردم هذه الفجوة هو التحدي الاقتصادي الأكبر الذي يواجه المغرب، أكثر من أي نسبة نمو أخرى.
تعليقات
إرسال تعليق