لماذا ترتفع الأسعار في المغرب رغم أن الدولة تتدخل — الحقيقة التي لا يقولها أحد بوضوح



في فبراير 2026، ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين في المغرب بنسبة 5 بالمائة مقارنة بيناير. خبر نشرته الإحصائيات الرسمية في سطر واحد بارد. لكن خلف هذا السطر، أسرة مغربية في فاس تُقلص وجبات الأسبوع. وأم في سطات تُفكر ألف مرة قبل شراء كيلو اللحم. وشاب في أكادير يُقارن أسعار الخضر في ثلاثة أسواق قبل أن يشتري.


الأرقام تقول شيئاً. الواقع اليومي يقول شيئاً آخر. والمسافة بين الاثنين هي بالضبط ما يُشعر المغربي بأن أحداً لا يفهمه.


ثلاث سنوات من الضغط المتواصل


منذ عام 2022 والتضخم يُثقل كاهل الأسر المغربية. ثلاث سنوات كاملة من الارتفاعات المتتالية التي لم تتوقف. نعم، تباطأت وتيرتها أحياناً، لكنها لم تنعكس ولم تعد إلى الوراء.


وهذا هو جوهر المشكلة الذي يصعب على الناس استيعابه: التضخم حين يتراجع لا يعني أن الأسعار عادت إلى ما كانت عليه. يعني فقط أنها توقفت عن الارتفاع بنفس السرعة. الدجاجة التي كانت بعشرين درهماً لن تعود إلى عشرين درهماً. هي الآن بخمسة وثلاثين وستبقى كذلك.


لماذا ترتفع الأسعار رغم كل شيء؟


حين تسأل هذا السؤال، تجد إجابات كثيرة ومعقدة. لكن دعنا نُبسّطها دون أن نُشوّهها.


السبب الأول هو أن المغرب يستورد كثيراً مما يأكله ويستهلكه. والأسعار العالمية للغذاء ارتفعت بشكل حاد في مارس 2026، متأثرة بتوترات الشرق الأوسط وسلاسل الإمداد المضطربة. حين يرتفع سعر القمح في شيكاغو، يصل الأثر إلى رغيف الخبز في الدار البيضاء.


السبب الثاني هو الجفاف. الفلاحة المغربية لا تزال رهينة السماء. كل موسم جاف يعني إنتاجاً أقل، وإنتاج أقل يعني أسعاراً أعلى. وهذه معادلة لم تتغير منذ عقود رغم كل الاستثمارات الفلاحية.


السبب الثالث، وهو الذي لا يُذكر كثيراً، هو بنية التوزيع. بين المزارع والمستهلك، تمر البضاعة عبر وسطاء متعددين يأخذ كل واحد منهم هامشه. وفي النهاية أنت تدفع ثمن الطماطم مضافاً إليه أرباح ثلاثة أو أربعة وسطاء لم تراهم ولم تعرفهم.


الديوانة الجديدة 2026 — ضربة إضافية لم يتوقعها الجميع


في يناير 2026، رفعت الحكومة الرسوم الجمركية على عدد من المنتجات المستوردة بهدف حماية المنتوج الوطني. هدف مشروع ومفهوم. لكن النتيجة الفورية شعر بها المواطن مباشرة في جيبه.


آلات الغسيل، والمجمدات، والألواح الشمسية، وعدد من المنسوجات — كلها ارتفعت أسعارها. والمستهلك، كما هو دائماً، هو من يدفع الفاتورة في النهاية سواء كان المنتج محلياً أو مستورداً.


الأسر المغربية والاستدانة — الرقم الذي يُقلق


الرقم الذي يكشف حجم الأزمة الحقيقية ليس في مؤشرات التضخم، بل في رقم آخر أشد وضوحاً: أكثر من 44 بالمائة من الأسر المغربية اضطرت للاستدانة من أجل تلبية نفقاتها اليومية.


حين يستدين الناس لشراء الأكل، هذا لا يعني أنهم مبذرون. يعني أن الراتب لم يعد يكفي للاحتياجات الأساسية. والاستدانة للأكل هي آخر مرحلة قبل الانهيار الاقتصادي للأسرة — لأنها تعني أن الشهر القادم سيبدأ بعجز مسبق قبل أن ينتهي الشهر الحالي.


ما الذي يفعله المغاربة؟


بين الشكوى والصمت، يجد المغربي طرقه الخاصة للتكيف. بعضهم يُقلص اللحوم من الوجبات اليومية ويعوضها بالبقوليات. بعضهم يشتري من الأسواق الشعبية الصغيرة بدلاً من المحلات الكبرى. وكثيرون بدأوا يُخططون مشترياتهم بدقة عسكرية لم يعتادوا عليها من قبل.


لكن التكيف له حدود. ولا يمكن للإنسان أن يُقلص احتياجاته إلى ما لا نهاية. وحين تنتهي هامش المناورة، يبقى خياران لا ثالث لهما: الصراخ في الشارع أو الصمت في البيت.


أغلب المغاربة اختاروا الصمت حتى الآن. لكن الصمت لا يحل المشكلة. هو فقط يُؤجلها.


تعليقات